قصتان قصيرتان … قصي الخفاجي

0 minutes, 0 seconds Read

قصتان قصيرتان

قصي الخفاجي

“يوم الهي”

أحسستُ في هذا اليوم الذي كنتُ أتجه فيه صوب (مصلحة نقل الركاب) بطعم الرحيق الإلهيّ.. كانت ذرّات الغبار غير مدركة، والحركة هناك واهنة.. تحرّكتْ سيارة المصلحة وحين هبطتُ لأتجه صوب سوق (الطيور).. أدركتُ انّ الحاضر ينطفئ.. كنتُ أريد لقاء الفجر أو الليل/ ثمة الأوراق والأقشاش يحرّكها الهواء فتتمسح بقدمي/ وهبتُ روحي شجاعة استثنائية كي أرتقي المبنى الذي تقع فيه شقة (أم وائل).. لم تكن هناك، حيث سمحت لي ابنتها أنْ أدخل.. بعد ساعة لفّني ضجر مقيت، وبينما كنت أهبط السلّم واجهتني بمجيئها.. أمسكتْ كفّي وأعادتني إلى الشقة.. قدّمتْ لي كأسًا من عصير البرتقال، ثم أخرجتْ خمس حقائب سود، متوسطة الأحجام، وشرعت تفتحها حقيبة حقيبة/ قالت لي أحصِ لي ذلك المال/ رحنا نصفف العملات الورقية: فئة المئة دولار أمريكي، والدولار الاسترالي، والعملات العراقية، والدنانير الكويتية، والأردنية، والريالات السعودية، والإماراتية ووو… وفي المساء قدّمتْ لي كأسًا من النبيذ الأحمر.. بعد العشاء الفاخر فتحتُ النافذة لتتيه روحي، هناك، وراء أفق لا أراه/ غفوتُ فأرقدتني في سريرها، حين أفقتُ صرتُ أبكي وغفتْ هي قربي بثيابها كاملة/ كانت تصيخ لخفوت نحيبي/ في الفجر تركتُ الشقة، وواجهتني دورية شرطة/ مكثتُ ثلاثة أسابيع في سرداب مجهول/ ويوم استدعوني قالوا لي اذهب إلى شقة (أم وائل).. ظللّتُ عندها مطرقًا إلى الأرض/ أكملتْ لي جوازي وودّعتني في مطار بغداد، متجهًا إلى مدينة (اسطنبول).

“القافلة”

ليل غارق في صمت الصحراء: ستظل قافلة الجمال المتخففة من أحمالها/ قافلة من خمسة جمال، يمتطيها خمسة رجال: ثمة إحساس بانتظار الفجر/ وحتى يتم صنع الكمين يترجّل أولئك الرجال، أربعة منهم والخامس يقود القافلة إلى مكان مجهول/ يبدأ الفجر بالتسلل، حيث أكمل الرجال الأربعة حفرة في المنخفض البعيد، قرب البئر.. اختفتْ بل تلاشت القافلة في الأفق البعيد/ عند الظهيرة جاء بدوي وعرض على الرجال الأربعة ضيافة كاملة/ في الليل جاء يقودهم إلى خيمة تقع بين تلّتين/ لم يقدّم لهم شايًا أو قهوة، أو طعامًا بل وضع دنًّا فيه خمرة قوية/ ومثلما يحدث في الحلم ارتفعتْ ؤوائح البخور، وأطلّتْ بدوية فارعة، نحاسية البشرة، وشعرها أسود فاحم مكتظّ بالبريق/ أطلّتْ عليهم مثل ملكة جاءت من أقاصي الكهوف الغابرة/ ملأتْ للرجال طاسات الخمور القوية/ غمز أكبرهم (ارتشفوا قليلًا قليلًا، ولا تثملوا).. كانت مهمّتهم انتظار قافلة محمّلة بالمخدّرات تعادل قيمتها ملايين الدولارات، اتجه رفيقهم لاستقبالها/ صبّت البدوية الخمرة في الطاسات فتجرّع صاحب الخيمة طاسته كاملة/ لبث الرجال يرتشفون قليلًا قليلًا، وملأت الطاسة الثانية للرجل فتجرّعها كاملة، وصبّتْ له ثالثة، ورابعة ثم أنهضته إلى تلةٍ فيها حفرة عميقة، دفعته إليها بكفّها وأهالتْ عليه التراب/ حين عادت شرعتْ تخلع ثيابها قطعة وراء قطعة، في القطعة الأخيرة أوعدتهم بالرقص عارية تمامًا شرط الجرعات الكاملة/ جرعوا طاساتهم فملأتها لهم ثانية، تجرّعوها، فملأتها لهم ثالثة، وتجرّعوها/ خلعتْ آخر قطعة وهو السروال/ وطفقت ترقص بعريّ قلّما له نظير/ قبيل الفجر طوّقوها أربعتهم/ اشترطتْ أنْ يجرع كلّ واحد طاسته مترعة ليهب معها/ تعرّوا أمامها تمامًا/ تجرّع الأول طاسته مترعة وذهب معها/ حين عادت تجرّع الثاني طاسته مترعة وذهب معها/ حين تنبه الثالث إلى عدم عودة الرجلين قالت له إنهم هناك يغتسلون/ تجرّع طاسته المترعة وذهب ولم يعد، كذلك الأخير تجرّع الطاسة وذهب ولم يعد/ حين عادت لترتدي ثيابها وتتجه صوب البئر جاءت قافلة المخدرات فاقتادتهم لتقول: أولئك رجالكم كانوا عراةً وهم نائمون/ كلّي لكم والمال لكم فلنتجه دونهم إلى درب الله.

 

موضوعات متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *