عاد المتنبِّي إلى الكوفة بعد غيابٍ طويلٍ استمرَّ لمدَّة ثلاث وثلاثين سنة. كان الخراب يواجهُهُ في كلِّ مكانٍ. فقد عاث الأعراب بالكوفة، وعبث قطّاع الطُّرق بالمدينة التي كانت تنافس بغداد في جمالها. وهكذا لم يعد أمام المتنبِّي من خيارٍ سوى أن يتوجَّه إلى تجربته الداخليَّة، يستبطنُها ويبحثُ فيها، ويستعيدُها ويتفحَّصُها. وما من شيءٍ يعادل غياب الراحلين، ولا سيَّما جدَّته التي ترك رحيلُها حياته خراباً كمثل خراب الكوفة نفسها. ما الذي يستعيده إذاً من تاريخ المدينة؟ دراسته في المكتب مع الأطفال الصِّغار، أم حياته هو وأبيه، وقد اضطرَّتْهما الظُّروف القاسية على التَّنكُّر في كلِّ شيءٍ، والتَّكتُّم حتّى على هويَّتهما؟ لا شيءَ في ماضي المدينة يستطيع أن يضارع حاضرها المتهدِّمَ الخَرِبَ، ولا سيَّما عند شخصٍ تعوَّد أن يعيش في قصور الملوك والأمراء الباذخة. غير أنَّ شيئاً واحداً بقيَ مضيئاً بعد كلِّ هذه الرِّحلة المضنية. فهو قد عبر متاهة الصَّحراء في سيناء، وبذلك أثبت لنفسه وللناس وللأزمنة القادمة أنَّه انتصر، ليس فقط على كافور الإخشيديِّ، وسلطتِهِ الجاهلة الغاشمة، بل انتصر أيضاً لقيم النَّبالة البدويَّة الأصيلة، لقِيَمِ الفتوَّة والوجود في تجربة الحدود القصوى، تجربة المغامرة بمواجهة الموت والانتصار على الزَّمن. تمكَّن أبو الطَّيِّب من الخروج من صحراء سيناء، بعد الخوض في حياض تجربة الموت. ولم يكن ذلك مجرَّد نجاةٍ عابرةٍ من سلطة كافور الظالمة، لم يكن مجرَّد مغامرةٍ في الإفلات من تجربة عسيرة؛ بل كان انتصاراً حقيقيّاً لقيم النَّبالة البدويَّة، لقيم البطولة الصَّحراويَّة في الإباء والوفاء، لقيم الحياة الكريمة وسحق القِيَم التي تدعو إلى الموت والذُّلِّ والخنوع. حين وصل المتنبِّي إلى الكوفة لم يجدْ فيها ما كان يُريد أن يجدَهُ. ولذلك اتَّجه إلى نفسه، ليستخرج من ثنايا تجربتِهِ هو ما كان يريده. وقد وجده في قصيدته المقصورة التي كتبها في شهر ربيع الأوَّل من سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة . ومنذ مطلع هذه القصيدة حتّى آخرِ بيتٍ فيها، هناك مقابلة مضمرة بين الحياة البدويَّة في تجربة الحدود القصوى، والحياة الحضريَّة في تجربة الكمال والتَّرف. منذ مطلع القصيدة هناك مقابلة بين النِّساء اللَّواتي يَتَغنَّجْنَ بمشيتهنَّ في الحاضرة، والأفراس المندفعة في غبار المعارك والملاحم والحروب في البادية، وإعلانٌ لتفضيل الثانية على الأولى، أي لتفضيل قيم الصَّحراء على قيم الحضارة. وهذا يشمل النِّياق “البُجاويَّة” السَّريعة. فهذه النِّياق لا تعود مجرَّد حيوانات للحمل أو العبور أو القتال، بل هي “حبال الحياة”، أي الوسيلة التي تتحقَّق بها الحياة، وتُحرِزُ النَّصر على العدوِّ، وتحتفظ بالكرامة الإنسانيَّة: ألا كُلُّ ماشيةِ الخَيزَلَى فِدَى كُلِّ ماشيةِ الهَيذَبى وكُلِّ نجاةٍ بُجاويَّةٍ خَنوفٍ وَما بيَ حُسْنُ المِشى ولكنَّهُنَّ حِبالُ الحياةِ وكَيدُ العُداةِ وَمَيطُ الأَذَى في متاهة الصَّحراء في سيناء، كانتِ الخياراتُ شبهَ معدومةٍ؛ فأنت أمام تيهٍ لا يتناهى، والطَّريق أمامك ينفتحُ على خيارين لا ثالث لهما، لستَ تدري أيُّهما يُفضي إلى الهاوية السَّحيقة، وأيُّهما يُفضي إلى الحياة. وعليكَ أن تصغيَ إلى نداء روحِكَ الداخليِّ، أن تسترخيَ لاختيارك، وربَّما ساعدتْكَ الخيول في استشراف الطَّريق بغريزتها الحيَّة: ضَرَبْتُ بها التِّيهَ ضَرْبَ القِما رِ إمّا لهذا وَإِمّا لذا إذا فَزِعَتْ قَدِمَتْها الجيادُ وبيضُ السُّيوفِ وَسُمْرُ القَنَا تمتدُّ أمامه الطُّرق، التي تبدو أشبهَ بالمتاهات المغلقة، التي يمكن أن تقوده إلى النَّجاة أو الهلاك، وتقدِّم له دائماً خيارين متناقضين، وعليه أن يختار أحدهما بنفسه. وحينئذٍ يسأل النِّياق التي تسير به: أين الطَّريق إلى أرض العراق؟ فتردُّ عليه وهي بمنطقة “تُرْبان”: ها هو ذا. وحين تصل إلى “حِسْمى”، في جنوب الأردن في الوقت الحاضر، تهبُّ في مشيها هُبوبَ الرِّيح: وَأَمْسَتْ تُخيِّرُنا بالنِّقا بِ وادي المياهِ ووادي القُرَى وَقُلْنا لها: أينَ أرْضُ العِراقِ فَقالَتْ ونحنُ بتُرْبانَ: ها وَهَبَّتْ بحِسْمَى هُبوبَ الدَّبو رِ مُسْتَقِبلاتٍ مَهَبَّ الصَّبا وبعد رحلة طويلة متعبة، مرَّ فيها المتنبِّي بعشرات المناطق التي كانت كانت تخيِّرُهُ كلُّ منطقة فيها بالهلاك والنَّجاة معاً، وتضعُهُ بين خيارين متناقضين في الموت والحياة على السَّواء، يصل المتنبِّي متعباً مكدوداً، ولكنَّه يزهو بالنَّصر، بشعور الانتشاء في الإفلات من الموت والانتصار في مغامرته الوجوديَّة الكبرى. حينئذٍ لا تعود تحته الأرض، بل تختفي الأرض التي تحته تماماً، وتظهر بدلها أرضٌ أخرى، هي أرض الكرامة والعلى والانتصار على الزَّمن. وفي هذه الأرض المجازيَّة البديلة، يركزُ رمحه، ويعيش يوتوبيا الخلود، وهكذا تصير السُّيوف هي الحبيبة التي يعانقُها، ويمسح عنها آثار ما تركته الهزيمة عليها من دماء الأعداء: فَلَمّا أَنَخْنا رَكَزْنا الرِّما حَ بَينَ مَكارمِنا وَالعُلَى وَبتْنا نُقبِّلُ أسيافَنا وَنَمْسَحُها مِن دِماءِ العِدَى لماذا؟ لكي يعرف العالم بأسره أنَّه “المتنبِّي” الفريد، أنَّه النَّموذج الأعلى لقِيَم الفتوَّة والنَّبالة، أنَّه الصُّورة المثلى للوفاء والإباء، والسَّماحة مع المتسامح، والعتوِّ على العاتي، والتَّكبُّر على المتكبِّر: لِتَعلمَ مصرُ وَمَن بالعراقِ وَمَن بِالعواصِمِ أنِّي الفَتَى وَأَنِّي وَفَيتُ وَأَنِّي أَبَيتُ وَأَنِّي عَتَوتُ على مَن عَتا وَما كُلُّ مَن قالَ قَولاً وَفَى ولا كُلُّ مَن سيمَ خَسْفاً أَبَى وَمَن يَكُ قلبٌ كَقَلْبي له يشقُّ إلى العزِّ قَلْبَ التَّوَى يراجع المتنبِّي حياته في مصر، ويتعجَّب لما مرَّ به. فقد سلكَ طريقاً مؤلماً، وإنَّما تكون الطُّرق بحسب قدرة القدم على المشي فيه. وما من ريبٍ في أنَّه كان طريقاً مظلماً أشبهَ باللَّيل، نام فيه “الخُوَيدِمُ”، أي كافور الإخشيديّ، حيث تُطلَق لفظة “الخادم” على كلِّ خصيٍّ، والخويدمُ هي صيغة التَّصغير منها. ولم يكن نومه إلّا بسبب عمى قلبِهِ، لا نعاسِ عينيه. ولقد كانت تفصل بينهما مهامِهُ وفَلَواتٌ من البعد بسبب جهله وانتقاص قيمته. ثمَّ يتساءل أبو الطَّيِّب: ماذا في مصر من المضحكات سوى ذلك، وإن كان ضحكاً مأساويّاً يتخلَّلُهُ البكاء؟ الجواب أنَّ بها “نبطيّاً” من أهل السَّواد، وقد حذف همزة كلمة “أهل” استصغاراً له، أي شخص مجهول الأصل من قومٍ كانوا يستوطنون العراق، وغرَّتهم الحضارة، فنسوا أصولهم. وتبلغ المأساة ذروتها، حين يدرِّس هذا الفلّاح النَّكرة أنساب أهل الصَّحراء النَّبيلة. ويتَّفق شرّاح الدِّيوان هنا على أنَّه يريد وزير كافور الإخشيديِّ ابن حِنْزابة. يقول المعرِّيُّ: “يعرِّض بالوزير أبي الفضل جعفر بن الفرات بن حِنْزابة رحمه الله، لأنَّه لم يحظَ عنده بطائل” . ثمَّ يجد أنَّ الشِّعر الذي أطلقه في مديح كافور لم يكنْ مديحاً له، بقدرِ ما كان هجاءً لعصره وللناس الذين وافقوا على تسويده. وسمّاه “الكَرْكَدَنَّ” لضخامةِ جسدِهِ وضآلةِ عقلِهِ: وَكُلُّ طريقٍ أتاهُ الفَتَى على قَدَرِ الرِّجْلِ فيهِ الخُطَى ونامَ الخُوَيدِمُ عَن لَيلِنا وَقَد نامَ قَبْلُ عَمَىً لا كَرَى وكانَ على قُرْبِنا بَينَنا مَهامِهُ مِن جهلِهِ والعَمَى وماذا بمصرَ مِنَ المُضْحِكاتِ ولكنَّهُ ضَحِكٌ كالبُكا بها نَبَطيٌّ مِنَ اهْلِ السَّوادِ يُدَرِّسُ أنسابَ أهْلِ الفَلا وَأَسْوَدُ مِشْفرُهُ نِصْفُهُ يُقالُ لَهُ أنْتَ بَدْرُ الدُّجَى وَشِعْرٍ مَدَحْتُ بِهِ الكَرْكَدَ نَّ بَينَ القريضِ وَبَينَ الرُّقَى فَما كانَ ذلكَ مَدْحاً لَهُ وَلكنَّهُ كانَ هَجْوَ الوَرَى (فقرة من سيرة المتنبي في كتاب عن ساحر البيان)