حارة المرغني
أميرة العربي
هالني مظهرها بجلبابها الرث بينما كانت تجلس أرضًا تلتحف السواد، تلك العجوز التي سكن صقيع الأحزان أعماقها، والقابع بين جنباتها الحسرة على مالم يعلمه الكثير من سكان حارتنا!! كانت تحكي الخرافات والأساطير، هي وحدها أسطورة منفردة، تحكي لمن حولها وتحذرهم بكل هدوء، تلفت انتباههم بكل جديه _ يابني لاتقترب من هناك؛ حتى لا تتخطفك الأرواح الشريرة، فهناك العديد من الأقاويل عن ما حدث في هذا المنزل منذ زمن طويل، في ساعات متأخرة من الليل يستمع الجيران لأصوات قرع الطبول، تدحرج كرات، وقع أقدام الخيول، فمنهم من روى عن ماحدث منذ زمن طويل، فهذا المكان كان معقلًا للمماليك، قُتِلَ فيه الكثير، تدلت رؤوسهم جحظت أعينهم، تبحث أرواحهم عن الانتقام مِن كل مَن يقترب من هذا المنزل المخيف، فالجميع يهاب الاقتراب وقد هرب من السكان الكثير ! تقترب إحداهن من تلك العجوز ذات الوشوم العديدة وتلك الدَّقَّه الخضراء على ذقنها وجبهتها التي تعددت بها التجاعيد والخطوط، جمعت أطفال حارتنا لتقص عليهم القصص وتهمس بأذنها مذكرة إياها بأحداث أخرى .. تسترسل تلك العجوز في حديثها مشيرة إلى منزل جارتنا (أم عبد الله) تهتف بارتياب يشعر به الأطفال ناظرين إلى المكان الذي أشارت نحوه قائله، فقد ذهب عبد الله ولم يعد من ذلك المنزل الملعون، وحينما دخله رجال حارتنا لم يجدوا أحدًا في الوقت الذي قُذِفوا فيه بالحجارة من حيث لا يعلمون!! أَستمع إليها بوجوم محدثًا نفسي _ يالها من أساطير وخرافات ليس لها أصل في الحقيقه، يالكِ مِن عجوز خَرِفه لا تعلمين شيئا تتعمدين أن ترهبين الأطفال بخرافاتك تلك ….. …… فذلك الصبي قد وقع بالبئر القابع بقبو هذا المنزل ومات، وحينما دخل الرجال للبحث ارتعدت فرائصهم من بعض الخفافيش القاطنه بهذا الركن الخَرِب، ظنوا أن أحدهم يرشقهم بالحجارة .. يالكم من جبناء! تنظر العجوز نحو تلك المرأة التي تقف جوارها تستجديها أن تقص قصتها على من حولها فالمكان لم يكن للصغار فقط، فهناك العديد من الكبار يستمتعون بحكايات العجوز وتلك الخرافات، فمنهم من يصدقها ويصيبه الذعر مِن ما يسمع، تتحدث المرأة التي نعرفها جميعا فهي تلك الجارة الملقبة (بأم الهررة الصغار) فقد كانت تحب الهررة كثيرًا، تضعهم بذلك الصندوق الصغير تستخدم القطارة الصغيرة لترضعهم اللبن حتى لا يموتون جوعًا فلم يكن لها نصيب بالإنجاب بتلك الحياة، تسترسل هي الأخرى بحكاياتها وهرتها التي وجدتها معلقة من رقبتها بذلك المنزل الملعون تترقق الدموع بمقلتيها يختنق صوتها وهي تذيل قصتها بذلك المشهد الغريب .. _ هرعت بحثا عن هرتي فلم أجدها، فقط استمعت إلى موائها مرة واحدة بعدها ساد الصمت في ذلك المكان الغريب، اجتاحت جسدي القشعريرة، رائحه الموت تملأ المكان، حتى نظرت إلى أعلى ذلك الدرج اللعين لأجد الهرة المسكينة معلقة على ذلك السيخ الحديدي البارز من المشكاه المتدلية من السقف، تضع يدها على أعينها كي تخفي دموعها، تعاطف معها الجميع، يالرقتك يا أم الهررة كم أنت ِ حنونة عطوفة ………. .. لكن الحقيقة أن هرتك الشقية كانت تريد القفز من أعلى الدرج فكانت قفزتها غير موفقة وسقطت على تلك المشكاة، فقط سقطة غير موفقة. تزداد نبضات الأطفال ينصتون بفضول رغم ما انتابهم من خوف، تسترسل العجوز في حديثها وتزيد في ترهيب من حولها ببعض الخرافات عن ذلك المنزل القابع بحارتنا، تلك الحارة التي تقع بإحدى المناطق الشعبية بمدينه القاهرة، منازل قديمه ذات شرفات خشبية تتدلي منها العديد من الآنية الفخارية لتبريد المياة، تزداد جمالا بساحتها المقتصرة على أبنائها فقط، في نهايتها جدار يجعلها منفردة بمدخل دون مخرج من الجهه الأخرى، يسبقه ذلك المنزل الذي تدور حوله العديد من القصص والروايات، لا يعلم أصلها سوى تلك المخضرمة الحاجة (نفيسة) تلك العجوز الهَرِمة، منهم من يقول أنها فقدت جميع أبنائها بذلك المنزل، وبعضهم يقول أنها لم تنجب قط، لكن الحقيقة لا يعلمها غيري أنا، نعم أنا .. لِمَ التعجب؟! فأنا أعلم قصة الحاجة (نفيسة) وذلك المنزل المشؤوم .. أتريدون أن تعلموا ما في جعبتي؟! أنا زوج تلك العجوز الملعونة، قاتلتي، أنا بطل تلك الحارة، أنا المقبور بالبيت الملعون بحارتنا .. حارة المرغني