محمد طايل
مصر
-1- في الرُّكْنِ الوحِيدِ الذِي لم تَزَرْهُ القذيفة فِي الرُّكْنِ الرَّمادِيِّ المُظْلمِ الذِي يشْبِهُ كامِيرَا الخمسِينات، جلستْ عجوزٌ تَعْجِنُ الخبزَ أمامَ الموقِدِ، تنظُرُ للسَّماءِ وهْيُ تُكَلِّمُ الرِّيحَ: “أجَلْ، مرّوا من هنا… ثلاثة شبّان، وعلبة دواء، واسمٌ مكتوبٌ على جدارٍ نصفِ مهدوم” ثم أغْلَقَتِ العجينَ على الحكاية، وشرعت تدسُّه فِي النَّارِ.
-2- قلتُ للرَّصِيفِ: كم جنازةً مرّتْ فوقَكَ؟ فأجاب: “كلُّ جنازةٍ تَبصُمُ عليَّ كَحدِّ سكِّينٍ على جدارٍ، إلا جنازتي أنا… فَلا أحدَ يشيّعُ حِجَارَةَ الأرْضِ، حَتَّى وإن نزفتْ”
3- كَانَ الراديو يَحْكِي عَنْ هدنةٍ، لكنَّ النَّافذَة من خَلْفِي تَسْعلُ غبارًا وترنُّ كأنْ عَلِقَتْ بِها ذاكرةُ انفجار… بعد حينٍ ستدرِكُ أنَّ الهدوءَ ليس أكثرَ من صوتِ الرعبِ وهو يتدرَّبُ على الصمتِ.
-4- المئذنةُ الوحيدة الباقية في ذلك الشارعِ الضيّق، هي دفترُ الغياب، إذ كُتبَ عليها: “مرَّ المقاومُ من هنا… وسلَّمَ على الموتِ دون أن ينحني.